أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

173

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

و « حَيْثُ » مفعول به ، لأنه ليس يريد أنه يرمي شيئا حيث تكوى النواحز ، إنما يريد أنه يرمى ذلك الموضع » . وتبع الناس الفارسي على هذا القول ، فقال الحوفي : « ليست ظرفا ، لأنه تعالى لا يكون في مكان أعلم منه في مكان ، وإذا لم تكن ظرفا كانت مفعولا بها على السعة . وإذا كانت مفعولا لم يعمل فيها « أَعْلَمُ » ، لأن « أَعْلَمُ » لا يعمل في المفعول به ، فبقدر لها فعل . وعبارة ابن عطية وأبي البقاء نحو من هذا . وأخذ التبريزي كلام الفارسي فنقله وأنشد البيت المتقدم . والثاني : أنها باقية على ظرفيتها بطريق المجاز . وهذا القول ليس بشيء ، ولكن أجازه الشيخ مختارا له على ما تقدم ، فقال : « وما أجازوه من أنه مفعول به على السعة « أو مفعول به على غير السعة » تأباه « قواعد النحو ، لأن النحويين نصوا على أن « حَيْثُ » من الظروف التي لا تتصرف . وشذ إضافة « لدى » إليها ، وجرها بالباء وب « في » ، ونصوا على أن الظرف المتوسع فيه لا يكون إلّا متصرفا ، وإذا كان كذلك امتنع نصب « حَيْثُ » على المفعول به ، على السعة ، ولا على غيرها . والذي يظهر لي إقرار « حَيْثُ » على الظرفية المجازية على أن يضمن « أَعْلَمُ » معنى ما يتعدى إلى الظرف ، فيكون التقدير : اللّه أنفذ علما حيث يجعل رسالاته ، أي : هو نافذ العلم في الموضع الذي يجعل فيه رسالاته ، والظرف هنا مجاز ، كما قلنا قلت : قد ترك ما قاله الجمهور ، وتتابعوا عليه ، وتأول شيئا هو أعظم مما فرّ منه الجمهور ، وذلك أنه يلزم على ما قرر : أن علم اللّه في نفسه يتفاوت بالنسبة إلى الأمكنة ، فيكون في مكان أنفذ منه في مكان ، ودعواه مجاز الظرفية ، لا ينفعه فيما ذكرته من الإشكال ، وكيف يقال مثل هذا ؟ وقوله : نصّ النحاة على عدم تصرفها . هذا معارض أيضا بأنهم نصوا على أنها قد تتصرف بغير ما ذكر ، هو من كونها مجرورة ب « لدى » أو « الباء » أو « في » ، فمنه أنها جاءت اسما ل « إنّ » في قول الشاعر : 2061 - إنّ حيث استقرّ من أنت راعي * ه حمى فيه عزّة وأمان « 1 » ف « حيث » اسم « إنّ » ، و « حمى » خبرها ، أي : إنّ مكانا استقر من أنت راعيه مكان محميّ فيه العز والأمان . ومن مجيئها مجرورة ب « إلى » قوله : 2062 - فشدّ ولم ينظر بيوتا كثيرة * إلى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم « 2 » وقد يجاب عن الإشكال الذي أوردته عليه بأنه لم يرد بقوله : « أنفذ علما » : التفضيل ، وإن « كان هو الظاهر ، بل يريد مجرد الوصف ، ويدل على ذلك قوله : « أي : هو نافذ العلم في الموضع الذي يجعل فيه رسالاته » ، ولكن كان ينبغي أن يصرح بذلك ، فيقول : وليس المراد التفضيل . وروى : « حَيْثُ يَجْعَلُ » بفتح الثاء ، وفيها احتمالان : أحدهما : أنها فتحة بناء طردا للباب . والثاني : أنها فتحة إعراب ، لأنها معربة في لغة بني فقعس ، حكاها الكسائي . وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم « رِسالَتَهُ » بالإفراد ، والباقون « رسالاته » بالجمع ، وقد تقدم توجيه ذلك في المائدة « 3 » ، إلّا أن بعض من قرأها هناك بالجمع ، وهو حفص قرأ هنا بالإفراد ، وبعض من قرأ هناك بالإفراد ، وهو أبو عمرو والأحوان وأبو بكر عن عاصم

--> ( 1 ) انظر البيت في المغني ( 1 / 132 ) ، الهمع ( 1 / 212 ) ، الدرر ( 1 / 181 ) . ( 2 ) البيت لزهير بن أبي سلمى انظر ديوانه ( 22 ) ، شرح القصائد ( 230 ) ، الهمع ( 1 / 212 ) ، المغني ( 1 / 131 ) ، الخزانة ( 7 / 8 ) ، الدرر ( 1 / 181 ) ، التهذيب ( 3 / 277 ) ، ( قشعم ) . ( 3 ) آية ( 67 ) .